فخر الدين الرازي
148
تفسير الرازي
والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية . الوجه الثالث : ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . المسألة الثالثة : الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا : * ( إنك لا تخلف الميعاد ) * وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . المسألة الرابعة : ههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : * ( آتنا ما وعدتنا على رسلك ) * طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما . والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله : * ( آتنا ما وعدتنا على رسلك ) * المراد منه المنافع ، وقوله : * ( ولا تخزنا ) * المراد منه التعظيم ، الثاني : أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، وإذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، وإذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا بإعانة الله وتوفيقه . المسألة الخامسة : قوله : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * شبيه بقوله : * ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) * ( الزمر : 47 ) فإنه ربما ظن الانسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم إنه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد ، ثم قال حكماء الاسلام : وذلك هو العذاب الروحاني . قالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله : * ( فقنا عذاب النار ) * ( آل عمران : 191 ) وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني .